ابن قيم الجوزية
376
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
هذا الموضع يكثر في كلام القوم . والناس بين معظم له ولأصحابه ، معتقد أن هذا أرفع درجات العبودية : أن لا يعبد اللّه ، ويقوم بأمره ونهيه ، خوفا من عقابه ، ولا طمعا في ثوابه . فإن هذا واقف مع غرضه وحظ نفسه . وأن المحبة تأبى ذلك . فإن المحب لا حظّ له مع محبوبه . فوقوفه مع حظه علة في محبته ، وأن طمعه في الثواب : تطلع إلى أنه يستحق بعمله على اللّه تعالى أجرة . ففي هذا آفتان : تطلّعه إلى الأجرة ، وإحسان ظنه بعمله . إذ تطلّعه إلى استحقاقه الأجر ، وخوفه من العقاب : خصومة للنفس . فإنه لا يزال يخاصمها إذا خالفت . ويقول : أما تخافين النار ، وعذابها ، وما أعد اللّه لأهلها ؟ فلا تزال الخصومة بذلك بينه وبين نفسه . ومن وجه آخر أيضا : وهو أنه كالمخاصم عن نفسه ، الدافع عنها خصمه الذي يريد هلاكه . وهو عين الاهتمام بالنفس ، والالتفات إلى حظوظها ، مخاصمة عنها ، واستدعاء لما تلتذ به . ولا يخلصه من هذه المخاصمة ، وذلك الاستشراف : إلا تجريد القيام بالأمر والنهي من كل علة . بل يقوم به تعظيما للآمر الناهي . وأنه أهل أن يعبد ، وتعظّم حرماته . فهو يستحق العبادة والتعظيم والإجلال لذاته ، كما في الأثر الإسرائيلي « لو لم أخلق جنة ولا نارا ، أما كنت أهلا أن أعبد ؟ » . ومنه قول القائل : هب البعث لم تأتنا رسله * وجاحمة النار لم تضرم أليس من الواجب المستح * ق على ذي الورى الشكر للمنعم ؟ فالنفوس العلية الزكية تعبده . لأنه أهل أن يعبد ، ويجلّ ويحبّ ويعظّم . فهو لذاته مستحق للعبادة . قالوا : ولا يكون العبد كأجير السوء . إن أعطي أجره عمل ، وإن لم يعط لم يعمل . فهذا عبد الأجرة لا عبد المحبة والإرادة . قالوا : والعمال شاخصون إلى منزلتين : منزلة الآخرة ، ومنزلة القرب من المطاع . قال تعالى في حق نبيه داود : وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ [ ص : 25 ] فالزلفى منزلة القرب ، وحسن المآب : حسن الثواب والجزاء . وقال تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] ف « الحسنى » الجزاء . و « الزيادة » منزلة القرب . ولهذا فسرت بالنظر إلى وجه اللّه عزّ وجلّ . وهذان هما اللذان وعدهما فرعون للسحرة إن غلبوا موسى ، فقالوا له : إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ( 113 ) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 114 ) [ الأعراف : 113 - 114 ] وقال تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التّوبة : 72 ] . قالوا : والعارفون عملهم على المنزلة والدرجة . والعمال عملهم على الثواب والأجرة . وشتان ما بينهما . وطائفة ثانية : تجعل هذا الكلام من شطحات القوم ورعوناتهم . وتحتج بأحوال الأنبياء والرسل والصديقين ، ودعائهم وسؤالهم ، والثناء عليهم بخوفهم من النار ، ورجائهم للجنة . كما قال تعالى في حق خواص عباده الذين عبدهم المشركون : إنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه - كما تقدم - وقال عن أنبيائه ورسله : وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ [ الأنبياء : 89 ] - إلى أن قال - إِنَّهُمْ